الفاشر السودانية منكوبة ومنهوبة

الفاشر منكوبة ومنهوبة - تراث يُسرق وتاريخ يُباد

الفاشر منكوبة ومنهوبة: تراث يُسرق وتاريخ يُباد

مدينة عريقة تواجه نهبًا منظمًا وإهمالًا متعمدًا يهدد هويتها وتراثها وتاريخها

مقدمة: الفاشر.. مدينة في مواجهة النسيان

تعد الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في السودان، واحدة من أقدم المدن في المنطقة وأكثرها ثراءً من الناحية التاريخية والثقافية. لكن هذه المدينة العريقة تواجه اليوم تحديات وجودية تهدد هويتها وتراثها وتاريخها. فبين نهب منظم وإهمال متعمد، تتحول الفاشر إلى مدينة منهوبة بتراثها، منكوبة بإهمالها.

المدينة القديمة في الفاشر
المدينة القديمة في الفاشر شاهدة على تاريخ عريق يتعرض للنهب والإهمال

في هذا المقال الشامل، سنستعرض تاريخ الفاشر العريق، وتراثها الثمين، والمعاناة التي تعيشها تحت وطأة النهب المنظم والإهمال المتعمد، مع طرح حلول ممكنة لإنقاذ ما تبقى من تراث هذه المدينة العريقة.

الفاشر في سجل التاريخ: منارة ثقافية وإدارية

تعود أصول مدينة الفاشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث كانت مركزًا مهمًا للقوافل التجارية التي تربط غرب إفريقيا بمصر والشرق الأوسط. ازدهرت المدينة بشكل ملحوظ في القرن السابع عشر تحت حكم السلطان محمد الفضل، مؤسس سلطنة الفور.

العصر الذهبي للفاشر

شهدت الفاشر عصرها الذهبي خلال فترة سلطنة الفور (1650-1916)، حيث أصبحت:

  • عاصمة إدارية وسياسية لسلطنة الفور
  • مركزًا تجاريًا مهمًا على طرق القوافل العابرة للصحراء
  • منارة للعلم والثقافة، حيث استقطبت العلماء والأدباء من مختلف أنحاء المنطقة
  • قلعة عسكرية استراتيجية تحمي حدود السلطنة
"كانت الفاشر في أوج ازدهارها مدينة تتسع لآلاف السكان، تحيط بها الأسوار وتضم القصور والمساجد والأسواق والمكتبات، وكانت مقصدًا للتجار والعلماء على حد سواء."

الفاشر تحت الحكم الاستعماري

بعد سقوط سلطنة الفور عام 1916 ودخول المنطقة تحت الحكم الاستعماري البريطاني المصري، تحولت الفاشر إلى مركز إداري مهم، لكنها فقدت الكثير من مكانتها السابقة كعاصمة لمملكة مستقلة.

400+ سنة من التاريخ المسجل للفاشر

تراث الفاشر المسلوب: كنوز منهوبة وهوية ممزقة

تمتلك الفاشر تراثًا ثقافيًا وماديًا غنيًا، لكن هذا التراث يتعرض لعمليات نهب منظمة تهدد بفقدانه للأبد.

التراث المعماري المهدد

تشمل المعالم المعمارية التاريخية في الفاشر:

  • قصر السلطان: المقر التاريخي لحكام سلطنة الفور، الذي تعرض للإهمال والتخريب.
  • المساجد التاريخية: مثل مسجد الفاشر الكبير الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر.
  • الأسواق التقليدية: التي كانت مركزًا للتجارة والتبادل الثقافي.
  • المباني السكنية التقليدية: التي تميزت بتصميمها الفريد المتناسب مع المناخ المحلي.
قصر السلطان في الفاشر
قصر السلطان في الفاشر.. شاهد على عظمة تاريخية تتعرض للإهمال

التراث الثقافي غير المادي

إلى جانب التراث المادي، تمتلك الفاشر تراثًا ثقافيًا غير مادي غنيًا يشمل:

نوع التراث أمثلة الوضع الحالي
الأدب الشفوي القصص التاريخية، الأشعار، الأمثال مهدد بالاندثار
الموسيقى التقليدية أنماط الغناء، الآلات الموسيقية مهدد بالنسيان
الحرف اليدوية النسيج، صناعة الفخار، النجارة في طريقها للاختفاء
المعارف التقليدية الطب التقليدي، الزراعة، إدارة المياه مهملة وغير موثقة

نهب الآثار والتراث

تشير التقارير إلى تعرض العديد من المواقع الأثرية في منطقة الفاشر للنهب المنظم، حيث يتم:

  1. تنقيب غير قانوني عن الآثار في المواقع التاريخية
  2. تهريب القطع الأثرية إلى خارج البلاد
  3. تدمير المواقع الأثرية بسبب عدم الاهتمام
  4. بيع المخطوطات والقطع التاريخية في الأسواق المحلية والدولية
"يشير الخبراء إلى أن أكثر من 60% من المواقع الأثرية في منطقة دارفور تعرضت للنهب أو التدمير، والكثير من هذه المواقع يقع في محيط الفاشر."

معاناة الحاضر: إهمال متعامل وصراعات مستمرة

تعاني الفاشر اليوم من إهمال متعامل على مستويات متعددة، تفاقم بسبب الصراعات المستمرة في المنطقة.

الإهمال المؤسسي

تواجه الفاشر إهمالاً مؤسسيًا واضحًا يتمثل في:

  • عدم تخصيص ميزانيات كافية للحفاظ على التراث
  • غياب الخطط الاستراتيجية لحماية المواقع التاريخية
  • ضعف الرقابة على تهريب الآثار
  • قلة الوعي بأهمية التراث الثقافي

تأثير الصراعات على التراث

أدت الصراعات في دارفور إلى:

  • تدمير العديد من المواقع التاريخية بسبب القتال
  • تهجير المجتمعات الحارسة للتراث
  • تفكك النسيج الاجتماعي الحامل للتراث الثقافي
  • انهيار الاقتصاد المحلي الذي كان يدعم الحرف التقليدية
70% من الحرفيين التقليديين هجروا الفاشر بسبب الصراع

التهديدات البيئية

إلى جانب التهديدات البشرية، تواجه التراث في الفاشر تهديدات بيئية تشمل:

التهديد البيئي التأثير على التراث المناطق المتضررة
التصحر تآكل المباني الطينية، اختفاء المعالم الطبيعية المناطق المحيطة بالمدينة
الفيضانات تدمير المباني التاريخية، تلف المخطوطات الأحياء القديمة
الرطوبة تلف المواد العضوية، تفكك الهياكل الخشبية المتاحف والمخازن

حلول ممكنة: إنقاذ ما تبقى من تراث الفاشر

على الرغم من التحديات الكبيرة، لا يزال هناك أمل في إنقاذ ما تبقى من تراث الفاشر عبر مجموعة من الحلول المتكاملة.

الحلول الفورية

تشمل الحلول العاجلة التي يمكن تنفيذها:

  1. توثيق الطارئ: توثيق شامل للمواقع والقطع الأثرية والممارسات الثقافية المهددة
  2. حماية المواقع: تأمين المواقع التاريخية من النهب والتخريب
  3. بناء القدرات: تدريب كوادر محلية على تقنيات الحفاظ على التراث
  4. التوعية المجتمعية: برامج توعية بأهمية التراث ودور المجتمع في حمايته

الحلول المتوسطة والطويلة الأجل

للحفاظ المستدام على تراث الفاشر، يمكن اتباع الاستراتيجيات التالية:

  • إدراج التراث في خطط التنمية: دمج الحفاظ على التراث في خطط التنمية المحلية والوطنية
  • إنشاء متحف إقليمي: إقامة متحف متخصص في تراث دارفور في الفاشر
  • السياحة الثقافية المستدامة: تطوير سياحة ثقافية تحترم التراث وتدعم الاقتصاد المحلي
  • التعاون الدولي: شراكات مع منظمات دولية متخصصة في الحفاظ على التراث
  • البحث العلمي: تشجيع البحث العلمي حول تراث الفاشر ودارفور
حرفيون محليون يعملون على إحياء الحرف التقليدية
جهود محلية لإحياء الحرف التقليدية في الفاشر تمثل بارقة أمل لإنقاذ التراث
"إن إنقاذ تراث الفاشر ليس مجرد مسألة ثقافية، بل هو استثمار في المستقبل ووسيلة لبناء السلام والتنمية المستدامة في المنطقة."

خاتمة: الفاشر بين مطرقة النهب وسندان الإهمال

تواجه الفاشر، المدينة العريقة ذات التاريخ الثري والتراث المتنوع، خطرًا حقيقيًا يتمثل في فقدان هويتها وذاكرتها الجماعية. فبين نهب منظم لآثارها وإهمال متعامل من المؤسسات، تتعرض كنوزها الثقافية والتاريخية للضياع.

إن إنقاذ تراث الفاشر ليس مسؤولية أهلها وحدهم، بل هو مسؤولية وطنية ودولية. فالحفاظ على هذا التراث يعني الحفاظ على جزء مهم من تاريخ السودان والإنسانية جمعاء.

لن يكون الطريق نحو إنقاذ تراث الفاشر سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً. يتطلب الأمر إرادة سياسية حقيقية، وتعبئة للموارد، وتعاونًا بين جميع الأطراف المعنية، محليًا ووطنيًا ودوليًا.

الوقت لا يزال متاحًا لإنقاذ ما تبقى من تراث هذه المدينة العريقة، لكن الساعة تدق، والفرصة قد لا تتكرر. فإما أن نتحرك الآن، أو نفقد إلى الأبد جزءًا لا يعوض من ذاكرتنا الجماعية وهويتنا الثقافية.

تراث الفاشر هو تراث الإنسانية.. فلنعمل معًا لحمايته
المبرمج العراقي مسلم عبدالكاظم فيصل
بواسطة : المبرمج العراقي مسلم عبدالكاظم فيصل
انا مسلم عبد الكاظم فيصل منصور طالب سادس علمي في مدرسة اعدادية الجزائر العراق ذي قار الجبايش كنت في مدرسة اهلية ثانوية نور العلم الاهلية انا مبرمج ومطور وصاحب عدة مواقع
تعليقات